
كان عهدي بمدرسة قصرة ( الثانوية ) حين دخلتها ملتحقا بالصف الأول الابتدائي.. ولا أزال أذكر وقفتي الأولى في طابور الصباح، لأنها كانت وقفة لا تُنسى، حيث كنت أقف في أول صف من ناحية الشرق، بينما تمتد الصفوف غربا، حتى تنتهي بالصف الثالث الإعدادي.. وكنت ( والرهبة تملؤني، أسترق النظر إلى هذه الطوابير، فأجدها كثيرة جدا، علما بأنها لم تكن في تعداد طلابها تتجاوز المائة إلا بقليل..
ولا أزال أسمع جرس الصباح، حين دقّ معلنا لحظة الانطلاق إلى الصفوف، فصعدت الخطى الصغيرة والكبيرة، كل في طريقها، عبر درج من الحجارة المرتبة تحيط بها من جانبيها الورود والزهور، بينما اصطفت الفصول في أبّهةٍ عالية الهيبة، وكانت الغرفة الأولى من الشرق يومها هي مقصد الطلاب المستجدين في الصف الأول الابتدائي، حيث يمسك كل طفل بقميص زميله أمامه، كي لا يخرج عن الطابور، بناء على تعليمات الأستاذ المناوب الذي نبه في طابور الصباح، بعد الترحيب بالطلاب، إلى ضرورة المحافظة على النظام في أثناء الصعود إلى الغرف الصفية.
قبل ذلك الوقت كانت مدرسة قصرة ( الثانوية ) مدرسة مختلطة للبنين والبنات، منذ عشرينيات القرن الماضي، ولعل ذلك ينبئ بمدى الوعي بأهمية العلم، والتعلّم.. ففي قرية تختفي نساؤها خلف عباءات سوداء في ذهابهن وإيابهن، لا يمكن لأحد رؤية وجوههن، ولا الحديث معهن، حتى بطرح السلام، كان الآباء والأمهات يقبلون بأن تكون بناتهن في غرفة واحدة مع الطلاب، وأمام مدرسين ذكور.. ربما كان لضيق الحال سبب في ذلك، حيث لا إمكانية لبناء مدرسة مستقلة للبنات، ولكن مجرد قبول فكرة الاختلاط يكفي للحكم على فهم المجتمع لقيمة المدرسة، ودورها في خلق الأجيال الواعية من الجنسين.
كانت المدرسة حين التحقت بها تتكون من سبع غرف صفية، وعليها أن تستوعب الطلاب من الصف الأول الابتدائي، حتى الثالث الإعدادي، وقد أوجب هذا النقص في الفصول أن يتم وضع صفين أحيانا في غرفة واحدة، وأذكر أنني درست الصف الثالث الابتدائي مع زملائي في الصف الرابع في غرفة واحدة، وكذلك كان الحال بين الصفين الخامس والسادس.. وكم كان ذلك شاقًّا، ومفيدًا في آن، حيث كان على المعلم أن يقسم زمن الحصة إلى قسمين، يخصص الأول منه لطلاب الصف الثالث، بينما يوكل لطلاب الصف الرابع أن يحلوا واجبا بصمت مطبق، ويتم تبادل الحال، بعد مرور نصف الزمن.. وهكذا، لذلك وجدتنا في الصف الثالث نحفظ دروس الصف الرابع كلها، وكذلك الخامس مع السادس..

لم يكن هناك أي مبنى آخر، حيث كان مدير المدرسة والأساتذة يجتمعون في غرفة صغيرة كأنها مخزن، تقع أمام الفصول الدراسية، بينما يدور “الآذن” طوال اليوم على أرجاء المدرسة، وفي ساحاتها البسيطة. وكان ما يميّز المدرسة آنذاك حديقتها الجميلة، التي تزخر بأنواع الفاكهة والخضراوات، حيث كان الطلاب يشاركون مشاركة كاملة، بل على عاتقهم تقوم عميلة الزراعة والحراثة والري، وغيرها، وتحديدا في حصتي الزراعة العملي، اللتين كانتا مقررتين رسميا ضمن البرنامج الأسبوعي لتوزيع المواد الدراسية.
في ملعب المدرسة الترابي، كنا نموت شوقا لحصة الرياضة، التي عادة ما تقتصر على الجري في الملعب، والانفلات من رتابة اليوم الدراسي، وضغط الصمت الذي كان يلفّ الفصول الدراسية، حيث كان النظام يقضي بأن تبقى الأيدي متشابكة الأصابع، وموضوعة بإحكام على المقعد الخشبي الطويل، الذي كان يتشارك فيه ثلاثة طلاب، وأكثر أحيانا، بحسب عدد الطلاب في الفصل.. أما كرة القدم الوحيد في المدرسة، فكانت من الجلد الطبيعي، وكانت تزور ( أبو جميل ) باستمرار لخياطتها وإصلاحها، أو رقع بالونها، قبل كل مباراة داخلية، أو خارجية، حيث كان فريق قصرة الرياضي لكرة القدم من الفرق التي لها سمعتها، وقيمتها على مستوى محافظة نابلس..
… يتبع
اترك تعليقاً