الأربعاء, يوليو 15, 2020
آخر الأخبار
الرئيسية » أخبار محلية » غيبه الاحتلال عن الحياة أكثر من 26 عاما ولا زال مغيبا عن الأنظار!

غيبه الاحتلال عن الحياة أكثر من 26 عاما ولا زال مغيبا عن الأنظار!

كتبه للموقع :

أحمد جودي 

ا

استقبَلنا في مكان غريب ، وحين تساءلنا ، ابتسم بزاوية واحدة وأجاب : إنها الذاكرة . طفنا معه في تعاريجها طويلاً ، نركض تارة، وتارة نمشي ، وأخرى نختبئ ، نتعثر برصاصة ، نتمايز نشيجاً مرّاً، نصطدم بالرفاق ، نفرّ من عدوٍ ما ، نقعُ في إحدى الأماكن ، وكنا دوماً نغرق في ضباب أبيض ، فيعاود التساؤل ارتسامه في عيوننا ، حينها تطل ابتسامته من الزاوية ذاتها ، ويجيب : إنها أعوام العزلة.

نادر الذي أزاح لسانه من تحت ركام الأوجاع والعذابات ،يلملم ما تبقى في جوفه من كلمات ، ليردّ إلى مسامعنا جملاً تجاوز عمرها الأربعين ، جملاً تحيك بصنارتها قصة بدأت عام 1968، شهدتها قصرة إحدى الجدائل الجنوبية لمدينة نابلس، خاضها نادر عبد الرحيم حسن، محركاً أزمنة وأماكن وأشخاصا   بتشكيله الخلية العسكرية الأولى التي تنضم إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح آنذاك ، معلناً لحاق قريته بركب الثورة. وخلال فترة قصيرة، ابتدأت الخلية 607 “خلية نادر” تواصلها مع الخلايا الثورية الأخرى بصفتها الخلية الأساسية  والمسئولة عن نقل وتخزين السلاح وتوزيعه في المنطقة  .

 وبوتيرة صوتية واحدة ، يتابع نادر ولوج الذاكرة مستعيداً أحداث الخامس من أيلول العام التالي 1969 ، أي الليلة التي دار فيها الاشتباك الأول بين الخلية وجيش الاحتلال الاسرائيلي أثناء القيام بمهمة نقل السلاح من قصرة إلى قرية جماعين المجاورة ، حيث داهمتهم فرقة من الجيش الإسرائيلي ، ليجدوا أنفسهم أمام خيار المواجهة الوحيد ، المواجهة التي انتهت باستشهاد بعض من افراد المجموعة  ومنهم محمد فارع من قرية قصرة وعيسى ابو مصلح من قرية المجدل ، وعودة من تبقى _ومن بينهم نادر _ سالمين إلى القرية.

 بيد أن تلك النهاية ، كانت فاتحة لبدايات كثيرة ، سبباً لحصار القرية ، مداهمة منازلها ، اعتقال ما تبقى من أفراد الخلية والذين زاد عددهم عن 25 ،إلّا نادر الذي تمكن من مغادرة القرية، معلناً حقبة طويلة من الاختفاء.

في تلك المرحلة دخلت عائلة نادر في المعركة ، وذلك بعد أن كشفت مخابرات الاحتلال مشاركة نادر في تأسيس الخلية و تنظيمها حيث قررت مطاردته بشتى الطرق ، أمعنت في مداهمة المنزل باستمرار بحثاُ عنه ،ومع فشلها في ذلك، وكوسيلة للضغط على نادر قامت بهدم منزل عائلته بتاريخ 12/10/1969 ، ثم تكرر اعتقال وتعذيب والده وإخوته للتحقيق حول مكان وجوده ، لكن دون جدوى .

عائلة نادر التي لم تكن قد عرفت عنه أكثر مما تعرفه المخابرات ، أبلغت بعد ثلاث سنوات خبر استشهاده عن طريق مكتب منظمة التحرير في الأردن، وذلك  خلال محاولة تسلل  إلى الأردن مع مجموعة فدائية خاصة جاءت من الأردن لتأخذه ، ولكن تم اكتشافهم على الحدود ، وحصل بينهم وبين الجيش الإسرائيلي اشتباك ، استشهد خلاله بعض عناصر المجموعة بمن فيهم نادر والبعض الأخر تمكن من الدخول إلى الأردن  ، فاعتمدته مؤسسة الأسرى والشهداء التابعة لمنظمة التحرير في الأردن شهيدا في العام 1972 .

لكن الحقيقة التي اختزلتها تلك النهاية أُجهضت بظهور نادر في بيت لحم حياً يرزق ، حيث أن الرصاصة التي اخترقت جسده على الحدود لم تُفض بروحه ! وتمكن من  العودة والوصول إلى مدينة بيت لحم  حيث توجه إلى أخته التي تسكن هناك ومكث عندها  دون أن يعلم احد بذلك.

 وبعد أربع سنوات من مكوثه خفاءً في بيت لحم إلى جانب أخته ، عاد نادر إلى قريته متسللاً  دون علم احد سوى أهله ،ليضيف إلى حياته 22 عام من العزلة ، ولكن عزلته هذه المرة كانت داخل ملجأ موحش يجاور منزل العائلة ، هناك حيث ابتلعته حفرة النسيان الأولى … تصفعه الساعات تاركة عقاربها تلدغ في وجهه ، يختمر انتظاره بين الجدران ، تدوسه السنين ويكتهل نهاره بين يديه .

 كان والده ووالدته يمدانه بالطعام باستمرار دون أن يشعر احد بذلك ، كما احضروا له جهاز مذياع وقران وبعض من الصحف والمجلات والكتب  والتي كان يقراها ليقتل وقته الذي يمضيه تحت الأرض وحيدا، فكان قدره أن ينام ويصحو ويأكل ويشرب ويعيش حياته كلها تحت سقف ذلك الملجأ  الموحش.

الكثير من أفراد عائلة نادر وأبناء قريته الذين لم يكونوا يعرفوا عنه شيئا اعتبروه شهيدا، والبعض الأخر كان  يعتبره مفقودا ، إلا أن مخابرات الاحتلال الإسرائيلي  لم تسلم للأمر الواقع ، ولم تتوقف عن مداهمة منزل عائلته وتفتيشه للبحث عنه ، وواصلت اعتقال إخوته ووالده للتحقيق معهم عن مكان وجود نادر ، إلا أن جل محاولاتها كانت تبوء بالفشل ، وظل سر نادر مدفون مع العائلة، دون ان يعلمن به احد.

كانت الأيام تمر ، والسنين تمضي ، ونادر لا يزال يعيش في ذلك الملجأ ، لا يخرج منه إلا في بعض الأوقات من الليل ، حيث كان يخرج قليلا وما يلبث في الخارج إلا سرعان ما يعود ليختفي عن أية أنظار أو عيون تقترب منه ، وبقي على ذلك الحال حتى بدء الانتفاضة الأولى  عام 1987 حيث انه كان يخرج لوحده في الليل ويقوم بأعمال نضالية فردية في قريته دون أن يعلم احد به ، ويعود بعد ذلك إلى ملجأه حيث الأمان له من الاحتلال وأعينه التي كانت لا تزال تبحث عنه  .

ولأن طفل الأمل الصغير لا يملّ الابتسام  جاء ربيع 1995 فرجاً لنادر ،وذلك بعد قدوم السلطة الوطنية إلى الأراضي الفلسطينية ، حيث أعلن جهاز الأمن الوقائي في 20/5/1995 أن” نادر عبد الرحيم حسن من قرية قصرة ، والذي اختفى في العام 1969 موجود في مقر الجهاز في أريحا ، ويمكن لأهله زيارته هناك “، وقد تبين فيما بعد أن والده وباتفاق مع قيادة الجهاز  قد سلمهم المناضل الأسطوري نادر بعد اختفاء دام أكثر من 26 عاما عن أنظار المخابرات الإسرائيلية والتي عجزت أن تقتفي أثره بكل ما تملك من وسائل ، بهذه الصورة خلق نادر الذي مات في أذهان الكثيرين من معارفه .

وبعد ظهوره  عاش نادر حياة انتقالية لم تتجاوز ستة اشهر تنقل خلالها بين مقرات الأجهزة الأمنية في أريحا و نابلس  ، وخلال تلك الفترة سحبت منه هويته من قبل الجانب الإسرائيلي لأنهم افقدوه حق المواطنة ، ولم يلبث طويلا حتى عاد لقريته قصرة التي عادت لتحتضن بطلها من جديد .

بدأ نادر حياته من جديد ، واستقر في منزله المتواضع الذي اهداه اياه والده بعد ان تزوج ، وافتتح دكانا صغيرة ليسترزق منها لقمة عيشه بكرامة .

لكن تراب القبر الذي خرج منه نادر لا زال عالقاً به حتى اللحظة، فقد لأمت الحياة فراغه قديما ، وهو الآن كمن ينازعها ليعود ، هكذا تكرم الأرض أبطالها وتزرع في صدورهم الأوسمة ، وعود عمل مكذوبة ، وظائف وهمية ، رجال تصعد على أكتاف الأبطال الحقيقيين وتتركهم تحت نعالها ،ثم تراها على المنصات تتغنى بالبطولة وتسترزق باسمها !!

بإمكانك الآن زيارة نادر وبناته السبع ودكانه الصغير وجوعهم الكبير ، وسيحدثك عن خيبته ويريك رزمة من الأوراق الصفراء ، رسائل وتوصيات وقصاصة من جريدة تدعى المستقبل  نشرت قصته مفصلة وقت ظهوره العلني الأول عام 1995 في إحدى صفحاتها ، وسيفاجئك بمأساة الهوية التي اهترأ نعله الفقير فوق دروب البحث عنها ، متنقلاً بين وزارة وأخرى ، يرده مسؤول إلى مسؤول ومكتب إلى أخر، ليحصل في نهاية المطاف على بطاقة غير معتمدة ولا معترف بها من الجانب الإسرائيلي ، فيسلم أمر انتظاره مرة اخرى إلى طوابير لم الشمل .

الكلام الذي صدئ في آذان الكثيرين ، لا يزال طرياً بين شفتيه ، والنداء الذي تكسر فوق ((الصخور)) لم يفقد صداه بعد، فلا زال لأصحاب الإنسانية فرصة جيدة يؤدون بها واجبهم الذي تأخر خمسة عشر عاماً.

عن محمد نظمي

.Palestinian, Graphic designer & Blogger

4 تعليقات

  1. أولا أتقدم بالتحية والإجلال للسيد نادر عبد الرحيم المثال الحقيقي للصبر وعدم الانحناء ..
    وثانيا أتقدم بالتحية لأخي الصديق أحمد جودي على هذا التقرير الذي أعده من منبع وطني أصيل، ليعرض لنا صورة واقعية عن المعاناة التي يعيشها السيد نادر عبد الرحيم، وكيف أن مرارة الواقع حرمته من أقل ما يستحق تقديرا ورفعة ..

  2. أضم صوتي الى الأخ معاذ وأتقدم بالشكر الجزيل الى الأخ أحمد جودي والى كل الغيورين من أبناء هذا الشعب المجيد الذين يبدون اهتمامهم بكل أفراد الشعب الذين عانوا وما زالوا يعانوا, متمنيا أن يلاقي هذا التقرير آذانا صاغية ويغير من واقع الحياة التي يعيشها العم نادر وغيره من أبناء هذا الشعب..

  3. رجل بألف رجل ، سيذكره التاريخ إن لم يذكره البشر !

  4. NO DOUBT NADER HE IS NOT ONLY A RELATIVE BUT A GREAT HERO SACRIFICE HIM SELF FOR PALESTINE TO BE LIBERATED BUT NOT TO BE SOLD IN ………

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.